السيد علي عاشور

14

موسوعة أهل البيت ( ع )

بعد ذلك كلّه وبعد انهاء تبليغ الرسالة وعند بدء عوده إلى المقرّ الأبدي : قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى يأتي بعض الصحابة بدلا من تكريم صاحب الرسالة والافتخار به ، يأتي ليصفه بوصف كانت كفّار قريش تصفه به ، جاء من يدّعي الإسلام ليصف الحقيقة المحمّدية بوصف يخجل الإنسان من قوله لخادمه ، وصف يكشف عن حقد دفين ، « إنّ الرجل ليهجر . . حسبنا كتاب اللّه » . الله أكبر ما هذه الكلمة التي تهدّ الصخور الصلدة ! ! ما هذا الجفاء الذي يملأ قلب عمر بن الخطاب ! ! ألهذه الدرجة الملك عزيز ! ! أمن أجل إرادة النبي الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم التأكيد على وصيّته لأوّل من أسلم وجاهد ، من أجل نصب علي عليه السّلام خليفة يقطع عمر كلامه بهذه الكلمات . ثمّ يكرّر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم طلب الدواة مرّة أخرى كما في رواية المجمع الآتية . ويعود عمر لمقولته ثانية . فجاء الجواب : « أخرجوا لا ينبغي عند نبي التنازع . . . » . وما ذا يقول لهم عند منعه من الوصية ، وهل يراد من الوصية إلّا التنفيذ . فإذا قالوا هذه الكلمة - يهجر - فهم على استعداد أن يقتلوا في سبيل الملك وأن يعيدوا الجاهلية . فلأجل علم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بعدم تنفيذ وصيّته أخرجهم من الدار ، ولم يؤكّد على الوصية لأمير المؤمنين عليه السّلام مرة ثالثة فيما وصل لنا من مصادر . وهكذا كان عمر بن الخطّاب المانع الأساسي من الوصية ، وكان أوّل من اعترض على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في مرض وفاته ، ولكنّها لم تكن المرّة الأولى في الاعتراض فسوف يأتي « 1 » أنّه اعترض عليه في صلح الحديبية وفي الصلاة على عبد اللّه بن أبي وفي غيرها من الموارد . نعم ، كان أشدّها يوم الوفاة عندما وصف النبي بالهجر ، واعلم أنّ الهجر معناه كما في لسان العرب : القبيح من الكلام ، والهذيان ، وهجر به في النوم يهجر هجرا : حلم وهذى ، وفي الحديث قالوا ما شأنه أهجر ، أي اختلف كلامه بسبب المرض « 2 » . وقال : الهذيان : كلام غير معقول مثل كلام المبرسم والمعتوه « 3 » . وقال القسطلاني : « فقالوا ما شأنه أهجر » بهمزة لجميع رواة البخاري ، وفي الرواية التي في

--> ( 1 ) في نماذج من تقديم المفضول - هفوات الخليفة الثاني . . ( 2 ) لسان العرب : 5 / 254 - 253 - لفظة هجر . . ( 3 ) لسان العرب : 15 / 360 لفظة هذى .